زينب فواز العاملي

56

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور )

الجنون أيضا في الكلام فإن صاحبه كثيرا ما ينقطع عن الحديث فترى فيه اختلالا وشططا أما حديثها فسامي المعاني رمزي متسلسل مرتبط منتسق قوي ، وفي مذهبي أن جنونها اختياري وأنها تعرف نفسها حق المعرفة ولها أسباب تحملها على التظاهر بما قد تظاهرت به ، وما أخذ القبائل العربية المجاورة للجبال من العجب من حذقها وبراعتها يدل دلالة واضحة على أن ما ترجم به من الجنون إنما هو وسيلة لبلوغ بعض مآرب ، ولا يخفى أن سكان أرض أجريت فيها العجائب وكثرت فيها الصخور والبراري وتلونت تصوّراتهم بألوان جوّهم يميلون إلى فن التنجيم وما أشبه وقد عرفت اللاري المذكورة ذلك واتضحت لها الحقيقة لما هي عليه من قوّة الحذق ولكن ربما ساقتها القوّة المذكورة كما هو الغالب في أمثالها إلى الاهتداء إلى مذهب وضعته لغيرها . وبعد أن جالت هذه التصوّرات في فكري قلت لها : لا ألومك إلا على أمر واحد وهو أنك حسبت للحوادث حسابا فعاقك ذلك عن الوصول إلى مركز كان في طاقتك أن تصلي إليه . فأجابته إنك تتكلم كمن يعتقد اعتقادا صحيحا في الإرادة البشرية ويشك في فعل القدر فقوّتي على حالها لم تتغير غير أنني أنتظر سنوح الفرصة ولا أجدّ في طلبها وقد أمسيت وحدي مهجورة بين هذه الصخور القفرة عرضة لمفاجئ جسور يطرق منزلي فينهب أمتعتي ، وحولي جماعة من الخدم الخائنين والعبيد المنكودين وهم ينهبونها في كل يوم ويتهدّدون حياتي أحيانا وفي المدة الأخيرة لم ينجني من الموت الأحمر إلا هذا الخنجر ( وأرته إياه ) الذي اضطرني الأمر إلى استخدامه لأدفع عني عبدا أسود لئيما ربي في بيتي ومع ذلك تراني سعيدة بقولي : اللّه كريم ، وأتوقع المستقبل الذي أخبرك به ويا حبذا لو كنت تحققه مثلي . وبعد أن تباحثنا كثيرا وشربنا القهوة التي كان يأتي بها العبيد كل ربع ساعة مرة قالت لي : هلم فإني سأسير بك إلى مكان لا يدخله أحد من البشر وهو بستاني فدخلناه وجلسنا فيه مسروري الفؤاد لأنه من أجمل البساتين الشرقية التي رأيتها وكنا من وقت إلى آخر نجلس في الكشوك براحة ، ونتحدث على النسق الأول ، فلبثنا مدة على هذه الحالة ثم التفتت إليّ وقالت : إذا كان القدر قد ساقك إلى هذا المكان وما بين نجمينا من الاتفاق يمكنني من